بحث منشور في منتدى الملحدين العرب :
ألجزأ الاول
تحياتي الى جميع ألزملاء ولكل من ساهم في نقاش يراد منه أن يوصلنا الى وضع اليه نستطيع من خلالها فتح طلاسم تاريخنا وتاسيسا لمرحله تنوير حقيقيه نحتاج نحن أليها كما تحتاجها مجتمعاتنا .
وكمقدمه لابد منها اقول باني لست خبيرا في دراسه التاريخ ولكنني مطلع الى درجه لاباس بها على تاريخ المنطقه وتعقيداته ،ولكن لكل شيء حدود فدراستي واطلاعي تبقى ضمن مجال ألبحث الحر والذي بحاجه الى تطوير وتعميق .
أنطلاقا من ذلك أؤكد للزملاء جميعا بان تساؤلاتي – والتي تعود عليها الزملاء – لاتعني باني أرفض الافكار ألجديده ولاارفض اي بحث علمي رصين يدعم نفسه بالبراهين الماديه والتي اعتبرها الفيصل الحاسم والمرجع الاول لقبول حدث ما او وجود شخصيه ما .
ولست ممن ينكر لأجل الانكار والنفي ولكني اجد الطرف الاخر عاجزا – لغايه الان – عن تقديم بحث رصين مدعم باثار ولقى ماديه تؤيد ماذهب اليه .
وقد يعترض معترض بانه من الصعب ايجاد هذه أللقى او اجراء الابحاث الاريكولوجيه بشكل يقود الى استنتاجات اكيده وواضحه . وهذه مع الاسف حقيقه ولااستطيع الا ان اعترف بوجود هذا الخلل الخطير في الابحاث ألتاريخيه التي تريد ان تكتشف الحقيقه او على الاقل تحاول كشفها .
ولكن هذا لايعني باننا غيرقادرين على معرفه شيء أو اننا وكنتيجه حتميه لهذا العوق سنغرق في دوامات لاخروج منها وسيكون علينا قبول الفرضيات الرسميه على انها تاريخ حقيقي ونهائي وماعلينا سوى اعاده النظر فيه و( اكتشاف ) ألحقيقه .
أن المشكله في هذه النظره هي انها تنسى او تتناسى بان الحقيقه أمر يصعب تعريفه او الوصول الى اتفاق عليه ،بل أن رجالات الدين والذين يزعمون بان كتبهم ورسلهم تقدم الحقيقه ألمطلقه والوحيده ، هم اول من مارس الاختلاف وبرر له وجعل التبرير منهجا أعتمد عليه في تقديم نفسه كمخلص ومنهجه على انه سفينه النجاه .
ولحسن حظ البشريه فان العلم قدم طريقا اخر الا وهو التساؤل والشك كاساس للبحث العلمي وامتحان النظريات والفرضيات .
وفي مجال التاريخ ستكون المهمه اشق واصعب لان التاريخ يمثل تراثا يبدو للبعض بان المساس به سيكون مساسا شخصيا بهم ،وهذا الشعور مبرر جدا وافهمه واتعاطف معه بل واقف ضد من اراد استخدام تاريخ شعب معين كاداه للانتقاص من انجازاته واسهاماته .ووجود شخص مثل هتلر في تأريخ المانيا ليس سببا يدعونا الى احتقار الشعب ألالماني .وهكذا فوجود حروب وطغاه في تاريخنا لايجب ان يكون سببا في ألتعريض بانجازات شعوبنا أن كان ذلك في زمن الدوله الاسلاميه او ماقبل الدوله الاسلاميه . فاي اسهامه مهما بدت بسيطه لنا هي جزا من تراث البشريه جمعاء .وهكذا فالعرب والمسلمين قدموا اسهاماتهم في تأريخ الانسانيه ولست ممن يحاول طمس تلك الحقيقه .
ان منهجي في النظر الى تاريخنا يتجاوز الفرد ولكن لايتناسى دور الفرد وانا انظر الى التاريخ كمحصله لحركه المجتمع بكامله وليس نتيجه لدور بطل فرد فليس في منهجي مكان للانسان الخارق وانا انظر الى الانسان كمحصله ونتيجه . وان القائد والذي يبرز لقياده مجتمعه فرد طموح تبلور في وجدانه حاجه مجتمعه واستطاع ان يعبر عن رغبات وتطلعات وهموم مجتمعه في مرحله تاريخيه ما من مراحل تطور هذا المجتمع .
لذا ففي منهجي فان القائد لايصنع مجتمعه بل ان المجتمع هو الذي يصنع ويفرز قادته والمجتمعات كيانات حيه تتطور كما تتطور كل الكائنات الحيه والتطور قد يكون ايجابيا باحث عن اشكال وانماط اكثر ملائمه للحياه وقد يكون سلبيا باحداث طفرات تحدث اعاقات وعاهات .
والدين كمنتوج بشري يعبر عن رغبات ويقدم وعاء أجتماعي تشترك به ألمجموعه ألبشريه الواحده لايمكن ان يكون من صنع شخص واحد . ومثل هذا ألفرض لايصلح ان يفسر لنا تنوع وتعدد الاديان . فتنوع الظاهره الدينيه يفرض علينا ان نتعامل معها على انها ظاهره متاصله في الوعي الفردي والاجتماعي وليس هناك اي مجموعه بشريه بدون دين ما ، و لااقصد الفلسفه الدينيه بقدر مااقصد الطقس والممارسه الدينيه، فاللاهوت الديني والفلسفه الدينيه هي مراحل متطوره من مراحل تطور الاديان ويختلف عنها لانه يريد تحويل الممارسه الدينيه الفرديه الى دوغما لحكم المجتمع وقيادته .لذا فأن للظاهره الدينيه مستويين احدهما فردي واخر مؤسساتي .
أن الدين المسيس والمؤسساتي ظهر ألى الوجود كدين كتاب أي مع أول نص مكتوب ومقونن على شكل كتاب أو مجموعه من ألاوراق أن كانت من البردي او من الجلود .هذه النصوص المكتوبه والمقوننه والتي فرضت نفسها على المجتمع لم تكن لتوجد لولا ان سبقها قصص متواتره تناقلتها أجيال واجيال حتى وصلت الى شكلها المكتوب .حين ذاك تم احلال الكتاب محل الصنم المعبود (او ألاصنام ) واصبحت عباده الكتاب والكلمه المكتوبه هي ألبديل عن العباده الفرديه ألمتنوعه ألاشكال .
أن ظهور الكتاب ومن ثم عباده الكلمه باعتبارها كلام الله فرض واقعا جديدا على المجتمعات ألتي اصبحت اسيره هذه الكلمه ومن فسر هذه الكلمه .وهنا ظهرت فئه جديده من حماه ألدين الذين احتكروا تفسير كلمات الرب بالطريقه ألتي رغب بها ملوكهم ورغبوا هم بها وكانت الكلمات مطيه لمصالح الطبقات والفئات ألمستفيده . ويجب ان لاننسى بان ألاميه كانت هي الحاله الاعم لعموم الشعب والاميه كانت منتشره حتى بين الملوك .
وحين بدا التعليم بالانتشار افقيا بين كافه طبقات الشعب حتى بدات الخلافات تظهر وبدات التفسيرات المختلفه للدين الواحد تكون هي ألحاله العامه والاتفاق هو الحاله الخاصه .
أن مايعمق مشكلتنا – كعرب ومسلمين – هي اننا لانزال نحاول نقد تاريخنا من خلال تقديم تفسيرات وفرضيات مختلفه ولكنها تعتمد على كلمات ألدين نفسه فنحن نبحث في تاريخنا لا عن طريق البحث الاريكولوجي بل نحاول ان نرسم صوره عن طريق تقديم معان جديده للكلمات التي وصلتنا مكتوبه عن طريق البخاري أو ابن هشام . ونحن لانسعى ألى معرفه الحقيقه بل نحاول تقديم (حقيقه) بديله معتمدين على ذات النصوص وبدون اي ادله ماديه.
واي كلام عن تاريخ حدث ما بدون ادله هو كلام معلق في الهواء لاقيمه حقيقه له . فاساطير ألشعوب قدمت لنا ابطال وقاده تغنت بهم كتب ألملاحم وسطرت في حبهم وعبادتهم ألاف الكلمات ولكن سرعان ماتقزم هؤلاء بل اختفوا حينما بدا اليحث الاريكولوجي باخذ الرياده والتقدم على كل ما ظل في مجال تسطير الكلمات .
ويلاحظ الزملاء اصراري على ضروره استخدام الاريكولوجي كمصدر اولي لكتابه التاريخ وقد يعتقد البعض ان ذلك ادعاء مبالغ به او حلم طموح لايمكن تحقيقه ولكني ساحاول ان اشرح وجهه نظري مبينا الاسباب التي تدفعني لاعتماد هذا المنهج ،ولكن قبل هذا يجب علي ان اوضح بان الاريكولوجي – حسب اعتقادي – لايستطيع تقديم مساعده في فهم كل انواع التاريخ .ولكي تكون الصوره اوضح واكثر فائده ارى ان علي استعراض انواع التاريخ كما افهمه :
1- التاريخ ألسياسي :هذا ألتاريخ عاده يقدم تاريخ ألقاده (العظام ) وتغلب على هذا النوع من التاريخ النزعه الشوفينيه والتي طالما تركز على ايجابيات ومزايا هذا القائد وحكمته وحنكته وبشكل اعلامي دعائي .
2- ألتاريخ ألسردي : ( narrative ) يعتمد الاستمراريه ( من – ألى )ويكون وصفيا. ونادرا مايحاول تقديم توضيحات او اسباب لحدث ما.
ويفترض كتبه هذا ألنوع من التاريخ بانهم انما يكتبوه بشكل واقعي وحقيقي ولكنه غالبا مايعتمد ألانتقائيه اسلوبا لعمله مما يضعف امكانياته في تقديم صوره واقعيه وحقيقيه .وكتب ألسيره ومروياتها نموذج على مثل هذا النوع من التاريخ وتخدم مثل هذه السير اهدافا سياسيه لترويج رؤيه معينه مما يجعل من مثل هذا التاريخ السردي دعائي واعلامي محدد بمتطلبات المرحله او الكاتب .
3- التاريخ الاجتماعي – الاقتصادي : ويدرس هذا التاريخ المؤسسات الاجتماعيه والاقتصاديه واسس النظام الاقتصادي واشكال تطوره والصراعات الاجتماعيه.ويبحث هذا التاريخ تاريخ العلاقات ألاسريه والقبليه ضمن ظروفه الفتره الزمنيه المعينه .والماركسيه مثال لهذا ألتاريخ .
4-تاريخ ألافكار والايدلوجيات :ويبحث في تأريخ الافكار والايدلوجيات وتطورها وعلاقاتها ألدينيه والاجتماعيه .
5- ألتاريخ الثقافي : ويشمل هذا التاريخ اغلب انواع التاريخ ( وخصوصا الاجتماعيه ) ألتي سبق عرضها ولكنه يركز على دراسه انواع وتطور الاستيطان البشري وتوزيعها الجغرافي وانواع النظم السياسيه –الاجتماعيه والعلاقات بين افراد المستوطنه وافراد المستوطنات ألبشريه الاخرى .
6- ألتاريخ التقني : ويدرس تاريخ استغلال ألانسان للطبيعه حوله وتعايشه معها وتاثير مثل هذه ألعلاقات على ألطبيعه نفسها وتطور تقدم الادوات والاجهزه ألتي أستخدمها ألانسان .
التاريخ ألطبيعي: ويدرس تاريخ العالم الطبيعي المادي وتأريخ الثقلافات المختلفه وتاثرها بالظروف الطبيعيه والجغرافيه .
8- ألتاريخ ألمادي : ويعني بدراسه ألاشياء التي صنعها وخلفها ألانسان ( artifacts ) وهو تاريخ يكتب من خلال ألاشياء وأللقى الاثاريه والماديه .
ومن الاكيد بان الاريكلوجست (الاثاريون ) هم مؤرخين يدرسون الثقافات والحضارات البشريه على امتداد عصور طويله .ويعتمد هؤلاء على اللقى الماديه بمافيها المخطوطات التي يعثر عليها باعتبارها نتاجات ماديه .ولذا فألاثاري مؤهل لكتابه التاريخ فنجد أنه يستطيع كتابه التاريخ باصنافه رقم 2 و3،5،6،7و8 . ألا ان عالم الاثار لايستطيع أن يسهم في كتابه تاريخ من نوع 1 و4 فهذا ليس ميدان عمله .
ومن اهم الانتقادات التي توجه الى علم الاريكولوجي بانه غير موضوعي .ولم ادعي يوما بان علم الاثار موضوعي 100% ولكنه علم متكامل ينطبق عليه ماينطبق على بقيه المناهج العلميه فهو محدد بضوابط صارمه ومنهجيه واضحه ويقدم فرضيات متكامله يمكن امتحانها ونقدها من قبل جميع العاملين في هذا الميدان او غيرهم كما انه يقدم منهجاأحتماليا متوازنا
لذا فعلم الاريكولوجي يصلح تماما لأعاده بناء وكتابه التاريخ القديم وليس كما يقول ألبعض بانه من المستحيل اعاده كتابه تاريخ قد باد وانتهى .ولايمكن ان نزعم بان الموضوعيه المطلقه هي منهجنا ولكننا نستطيع ان نؤكد بأن عالم الاريكولوجي بانضباطه ومحاولته ان يكون موضوعيا سيقدم رؤيته المتوازنه للتاريخ .
واثباتا لمازعمته من تفوق واضح للاريكولوجي كاداه منهجيه لكتابه التاريخ اود ان اسوق مثالا على ذلك :
فلنفرض باننا قد عثرنا على نص قديم يقدم وصفه للطبخ تعود الى القرن الاول الهجري ويصف كاتب هذا النص :
انيه الطبخ التي استخدمت .
كيف حصل الطاهي او الطاهيه على اناء الطبخ هذا .
كيف تم اعداد مكونات الطبخه .
الوقت الذي يحتاجه الطعام لينضج .
كيف تم تقديم الطعام .
وهنا يجب علينا ان نسأل :
هل يمكننا ان نثق بهذا النص ونعتبره موضوعيا؟ وهل شهد كاتب النص اعداد الطبخه بنفسه ؟فمن المحتمل ان يكون كاتب النص لم يشهد كل هذه العمليه بل تخيل عمليه اعداد طبخه ما معتمدا فيها على خياله فقط.حتى لو كان النص قد اعتمد على حادثه طبخ حقيقيه فان النص عاجز عن اخبارنا عن حقيقه ميول كاتب النص وهواه.واخيرا قد يكون النص عباره عن قصه قصيره تستخدم مكونات طعام معروفه لدى عامه الناس لغرض استخدامها في طقس ديني لنعاش ألروح ،ومثل هذا الاستخدام ليس غريبا فالتوراه والانجيل تمتلىء بنصائح لاستخدام عطور ومطيبات معينه لدهن جسم الميت او الملك ليتم تكريسه للمعبد أو تجهيزه للدفن .وكذلك المرويات عن محمد تخبرنا عن انواع من التوابل التي ينصح باستخدامها لأغراض طبيه وروحيه مثل حبه البركه بل وصل الامر الى النصح باستخدام ألذباب للمعالجه من امراض عديده .
لذا فان مثل هذا النص كغيره من النصوص القديمه لايعكس (حقيقه موضوعيه) بل رؤيه وتاويل ذاتيه متاثره بعواطف ألكاتب وموقفه .
ولنرى ألان ماذا يمكن أن نعرف من أنيه عثر عليها في احد الحفريات الاريكولوجيه ،وهذا امر يحدث وبشكل شبه يومي ، وقد ازعم باننا سنستطيع الحصول على معلومات تتصف بالعلميه والحياديه الى درجه كبيره .
اول مايخبرنا عنه هذا الاناء بانه انيه لطهي الطعام وهذا امر نستطيع اثباته بسهوله لاننا سبق وان عثرنا على أنيه مشابهه وتاكدنا بانها قد استخدمت لطهي الطعام .
يخبرنا هذا الاناء عن مكان صناعته وذلك بمقارنه مكونات ألطين بمكوناته في المنطقه التي عثر فيها عليه ،ويخبرنا ايضا عن زمن صناعته بعد فحصه بالراديو كاربون .ويخبرنا الاناء عن طريقه صناعته . واعتمادا على علم الانثربولوجيا الوصفيه يمكن ان نقول بان صانع هذا الاناء سيده تعمل في ورشه في تلك القريه .بل تستطيع هذه الانيه ان تخبرنا بالكثير عن نوع الطعام وعن العلاقات الاجتماعيه الاقتصاديه السائده في ذلك الزمان وحتى عن المستوى المعاشي لصاحب الاناء .ومن الاكيد أن الاناء لايملك اي افكار مسبقه او ايدلوجيه معينه ولكننا نستطيع ايضا ان نفهم من طريقه صناعته ، وبمقارنته بانيه اخرى عثر عليها في نفس المنطقه ، عن الهياكل الاجتماعيه السائده في تلك الفتره او تلك المنطقه .ومن تطور صناعه الانيه وتنوعها نستطيع ان نقدم نظريه واضحه عن مدى التغيرات الاجتماعيه والاقتصاديه التي شهدتها المنطقه على امتداد فترات زمنيه طويله .
أن المقارنه بين قيمه النصوص المكتوبه والاشياء واللقى الاثاريه ستكون حتما في صالح قيمه اللقى والاشياء الاثريه(artifacts ) .
ويجب ان لاننسى فان النص المقدس والمقدم لنا على انه تاريخ ليس سوى سرد تغلب عليه الرؤيه الذاتيه لكاتب النص وليس سوى قصه تتاثر باهداف القاص ورغباته ورغبات الطبقات الحاكمه او مايريد اظهاره والتركيز عليه .وما يقوم به البعض من الذين يريدون التاكد من حدوث حدث ما او وجود شخص ما الا محاوله تبرير جديده تريد استنطاق ألنص وارغامه على الحديث والنطق بمايريده المحدث او الناقد للحدث المعين .لذا فتبرير التبرير وتفسير التفسير سيوقعنا في حلقه مفرغه لاقرار لها ولااصول علميه توقفها عن الدوران في حلقات مفرغه لانهايه لها